عندما أطلق المؤلف والمنتج المصري الأمريكي، سام اسماعيل، الجزءُ الأول من مسلسل الهاكرس التلفزيوني، «السيد روبوت»، عامَ 2014، افترضَ المعلقونَ أنه استلهمَه من الاختراقِ الالكتروني، الذي شل شركة «سوني بكتشيرس» في اواخر عامِ 2013 بعد اطلاق الفيلم المثير للجدل «المقابلة»، الذي سخر من حاكم شمال كوريا كيم جون اون. لكن في حديثٍ مع اسماعيل آنذاك أكد لي أن الربيعَ العربي، وليس اختراق شركة سوني، كان مصدرَ الهامَه. وأن بطل المسلسل، اليوت، الذي يجسده المصري الأمريكي رامي مالك، يمثلُ الشبابَ العربيَ الغاضبِ الذي ثار ضد حكامه مطلع هذا العَقد.
«أنا مصري»، قال اسماعيل «لدي الكثير من أولاد العمومة يعيشون في مصر. ذهبت الى هناك بعد الربيع العربي. أولاد عمي كانوا بين التاسعة عشر والعشرين. كانوا شبابا وجزءا من تلك الثورة. كانوا غاضبين وحوّلوا هذا الغضب إلى شيء ايجابي من خلال استخدام التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي. هذا أمر لا يفهمه ولا يعرفه «الحرس القديم» ولا يستطيعون إيقافه. هذا الأمر أثارني عاطفيا. في الحقيقة أعادوا إحياء الروح الثورية الموجودة في داخل كل واحد منا حسب اعتقادي. وهذا الأمر ألهمني عندما فكرت بشخصية إليوت».
ولم ينس اسماعيل أقاربه في مصر عندما حقق له السيد روبوت جائزة «الغولدن غلوب» لأفضل مسلسل درامي عام 2015 وشكرهم في خطاب استلامه الجائزة من على منصة الحفل أمام مئات ملايين المشاهدين من كل أنحاء العالم.
فوز اسماعيل بهذه الجائزة القيمة وجائزة نقابة الممثلين وترشيحه لجائزة «الإيمي» أثار اعجاب المصريين وشعورهم بالفخر به.
عندما قابلته الأسبوع الماضي عبر لي عن مفاجأته وسعادته من ردود الفعل الايجابية في مصر: «لدي الكثير من أولاد العمومة والأعمام والخالات هناك وأتواصل معهم. من الواضح أنهم فخورون. وهذا أمر مؤثر جدا. هناك شيء واحد أعرفه هو عندما تحدثت إليهم أثناء «الغولدن غلوب» وشكرتهم مباشرة كان هذا شيئا لم يروه من قبل وكان أمرا مؤثرا بالنسبة لهم. بصراحة أحس بالامتنان والتواضع أن أكون جزءا من تمثيلهم بأي طريقة على منصة كتلك».
«بصراحة كنت متفاجئا جدا. بالنسبة لي نحن كنا نصنع مسلسلا صغيرا. لم تكن لدي أي فكرة أنه سيؤثر في الناس، دع عنك عائلتي التي تعيش في بلد يبعد آلاف الأميال. هم يشعرون أن العمل ألهمهم. بعض أبناء عمومتي يقولون إنهم راغبون في صناعة الأفلام وأنهم يريدون أن يحكوا قصصهم. وهذا بصراحة يسعدني أكثر من أي شيء. هذا رائع».
«السيد روبوت» يتمحور حول شخصية اليوت، وهو مبرمجُ حواسيب يعاني من اضطرابٍ اجتماعي، يتم تجنيدُه على يدِ متمردٍ لا سلطوي غامض، يدعى السيد روبوت، لاختراقِ حواسيبِ شركةٍ عالميةٍ عملاقة، «ايكورب»، ليقوم بمحو ديونِ زبائِنها من الناس العاديين. وينفذ اليوت العملية ليس من دافع حماية الانسانية من طغيان الشركات الضخمة عليهم، كما يدّعي، وإنما انتقاما من شركة «ايكورب»، التي كانت وراء موت والده. وفي نهاية الجزء الأول، يتبينُ أن اليوت يعاني من انفصامِ الشخصية، وأن السيد روبوت هو ذاتُه الثانية، التي تعكسُ شخصيةَ والدِه المتوفى.
واستمرَ اسماعيل في استلهامِ الجزأين اللاحقين من السيد روبوت، من أحداثِ الربيعِ العربي، الذي تحولَ الى خريفٍ مرعبٍ على أرضِ الواقع.
فبدلا من تحريرِ الناسِ من تسلطِ الشركاتِ الضخمة، تثيرُ ثورةُ إليوت الخوفَ في قلوبِهم. وتسفر عن تشديد السلطات للإجراءات الأمنية، وتعزز من نفوذ «ايكورب»، التي تتمكن من استعادةِ بياناتِها من النسخِ الاحتياطية.
وفي الجزء الثالث من السيد روبوت، الذي يبثُ هذه الأيام، يقررُ إليوت تطهيرَ «ايكورب» من الداخل، من خلالِ كشفِ فسادِهم لـ «أف بي آي». لكن سرعانَ ما يدركُ أن زملاءَه الثوريين تحولوا الى ارهابيين يخططونَ لتفجيرِ مقراتِ «ايكورب» لتخزين المعلومات، التي قد تؤدي الى سقوط عدد كبير من الضحايا. فيقرر التصدي لهم وَحدَه.
«هذه هي الثورة»، يعلق اسماعيل «تصبح معقدة. وتصبح أكثر قتامة بسرعة. في الحقيقة، أحد الأمور التي استلهمها المسلسل كما قلت لك قبل ثلاثة أعوام هو الربيع العربي والامور التي نتجت عنه. في الواقع، العمل ليس عن الحدث نفسه وإنما ما يحدث بعده».
هذا فعلا ما حدث إذ أن بعض الثوريين انضموا الى جماعات ارهابية وصاروا يرتكبون جرائم بشعة ضد الشعوب وباتوا اكثر طغيانا من الحكام الطغاة الذين أرادوا أن يحرروا الشعوب من وطأة طغيانهم: «هم تحوّلوا وتغيروا»، يضيف اسماعيل. «الرئيس السابق رحل والآن لديهم رئيس جديد كما تعلم. فهل وضعهم أفضل مما كان عليه في السابق؟ هذا سؤال إجابته صعبة. من الصعب أن تجيب عليه بنعم أم لا. هل حققت الثورة التغيير؟ وهل حققت تغييرا نحو الأفضل في هذا المجتمع. هذه هي التشابهات الموجودة في القصة التي نحكيها عن إليوت وثورته».
ويحاول إليوت أن يحذر زملاءه من الجماعات الارهابية، التي انضموا اليها، ولكن دون جدوى، إذ أنهم صاروا مقتنعين أن الارهاب هو الحل الوحيد لتحقيق غايتهم وتحطيم شركات «الشر» وتحسين وضع الناس. من المفارقات أن إليوت هو أيضا ارهابي مطارد على يد سلطات الأمن والمباحث المركزية.
«وهذا ما يحاول التصالح معه»، يوضح اسماعيل: «إليوت يحاول امتلاك ما فعله. هذه لم تكن نواياه. لكن الضرر حقيقي. وعليه تجاوزه بطريقة ما. هو يحاول بشكل ما الانقلاب على فعله. وتفكيك ما فعل، كما يقول في الحلقة الثانية. ثم يبدأ بادراك أنه إذا كسرت شيئا ما، هل تستطيع أصلاحه؟ الاجابة هي إحتمال أن تكون كلا». اليوت يعيشُ صراعا داخليا مستمرا، إذ أن أشدَ خصومِه، الذي يحبطُ محاولاتِه في التصدي للإرهابيين ويساعدهم في تنفيذ عمليتهم، هو ذاتُه الثانية التي يجسدُها السيد روبوت.
«أعتقد أن ما يكتشفه خصوصا في وقتنا الحالي، أو في المناخ الحالي هو أن الفرق بين الخير والشر غير واضح. وإلى أين يمكن الوصول باستخدام النظام؟ لكن أنظرْ الى النظام. ماذا لو كان النظام مزيفا في الاصل. مرة أخرى هذا أمر يتعلق بالمناخ الخالي. وبعد ذلك الى أين تذهب؟ وهذا الضياع حول هل هناك عدالة حقيقية أصلا في هذا المجتمع؟ وأعتقد هذا ما نرى أليوت عليه في الحلقة الأولى. هذا هو مصدر ألمه».
هذه الازدواجيةُ نلاحظها في شخصياتِ أخرى يمتلكون الخير والشر في المسلسل، مثل شخصية سانتياغو، التي يلعبُها الممثلُ المصري الأصل عمر متولي. وهو محقق «أف بي أي» يرأس طاقم محققين يلاحق الارهابيين، ولكنه في الوقت نفسه يتعاون مع الارهابيين ويزودُهم بالمعلوماتِ التي تمكنهُم من تنفيذِ عمليتهم.
«أشعر أنها أكثر أصالة وواقعية»، يوضح اسماعيل «قد تكون نواياك حسنة وتظهر بطريقة سيئة، وقد تكون نواياك سيئة ولكن هناك بصيص من الإنسانية في داخل كل واحد منا. حتى في شخصية مثل سانتياغو التي يؤديها عمر متولي. إنه يقوم بعمل شنيع وبأمور غامضة مع مكتب التحقيقات المركزية. ولكن هناك عنصرا إنسانيا يؤديه عمر بطريقة رائعة يصبح مثيرا أكثر للاهتمام عندما تشعر أنه أنسان. عائلته تحفزه وهذا بالنسبة لي ما نحاول باستمرار أن نفعله في هذا المسلسل. محاولة إيجاد المنطقة الرمادية لدى كل شخص».
نجاحُ السيد روبوت كان مفاجئا لاسماعيل، ومكنه من تبوؤ مكانٍ بين أهمِ منتجي ومخرجي التلفزيون في هوليوود، وباتت استديوهاتُها ونجومُها يتسابقون للتعاقد معه. ويعزو هذا النجاح كونه مصريا ذا نظرة مختلفة عن الامريكيين البيض.
«هذا شيء لم أدركه حتى حين كنت أصنع المسلسل. أن تجربتي الخاصة، كوني مصريا وترعرعت في نيوجيرسي، كوني الغريب وكوني التلميذ، الذي يُذاكر كثيرا وكوني مهووسا بالتكنولوجيا، كل هذه الصفات التي حملتها وأنا أكبر ساهمت في صياغة وجهة النظر النادرة التي نطرحها في السيد روبوت. مرة أخرى، لم أكن ادرك ذلك. أعتقد أن سلوكك عندما تحاول الدخول لمجال الصناعة السينمائية هو أنك تريد أن تصنع الفيلم السائد تريد أن تصنع فيلما جماهيريا ولا تريد أن تكون نخبويا وتريد أن تكون عاما. لكني تعلمت أن هذا ليس صحيحا. أعتقد أن الأمر يصبح مميزا عندما تعتمد على الأشياء المميزة في تجربتك الخاصة وعلى هويتك».
فضلا عن انشغالِه في التحضير للجزء الرابع من السيد روبوت، يستعدُ اسماعيل هذه الايام، لتصويرِ مسلسلٍ جديد. وهو «هوم كمينغ» من بطولةِ النجمةِ الهوليوودية جوليا روبرتس. لكن حُلْمَه هو أن يصنعَ فيلما عربيا يوما ما.
المصدر : القدس العربي
لا يوجد تعليقات
أضف تعليق